ابن ميثم البحراني
243
شرح نهج البلاغة
وقوله : وهوت الأفئدة كاظمة . أي سقطت النفوس في حضيض الذلّ والفاقة إلى رضا اللَّه وعفوه ، ولفظ الكظم مستعار كما سبق . وقوله : وخشعت الأصوات . هو كقول اللَّه « وَخَشَعَتِ الأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً » وهو إشارة إلى سؤالهم بلسان حالهم عفو اللَّه ورحمته على وجه الذلَّة والضعف ورقّ العبوديّة في ملاحظة جلال اللَّه . وقوله : وألجم العرق وعظم الشفق . استعار لفظ العرق وكنّى به عن غاية ما تجده النفس من كرب ألم الفراق وهيبة اللَّه وعدم الأنس بعد الموت إذ غاية الخائف التاعب أن يعرق ويشفق من نزول العقاب به . ونسبة الإلجام إلى العرق نسبة مجازيّة . وقوله : وأرعدت الأسماع لزبرة الداعي . إشارة إلى ما تجده النفس عند تيقّنها المفارقة . واستعار لفظ الزبرة لقهر حكم القضاء للأنفس على مرادها قهرا لا يتمكَّن معه من الجواب بالامتناع ، وفصل الخطاب هو إمضاء أحكام اللَّه على نفوس عباده . عند الرجوع إليه بتوفية مالها ، واستيفاء ما عليها . ومقايضة الجزاء : معاوضتها بما أتت به إمّا من الملكات الرديئة فبنكال العقاب ، وإمّا من الملكات الفاضلة فبنوال الثواب ، وهبة كلّ بقدر استعداده وقبوله . واعلم أنّ العدول إلى المجازات والاستعارات عن حقايق الألفاظ ، وإلى التأويل عن الظواهر إنّما يجوز خصوصا في كلام اللَّه وكلام رسوله وأولياءه إذا عضده دليل عقليّ يمنع من إجراء الكلام على ظاهره . ولمّا اعترف القوم بجواز المعاد الجسمانيّ تقليدا للشريعة ولم يقم دليل عقليّ يمنع منه لم يمكننا الجزم إذن بصحّة هذه التأويلات وأمثالها . وباللَّه التوفيق والعصمة . الفصل الخامس : في تنبيه الخلق على أوصاف حالهم المنافية لما هم عليه من التجبّر والإعراض عمّا خلقوا لأجله لعلَّهم يتذكَّرون بقوله :